الجصاص
53
الفصول في الأصول
قال أبو بكر : وليس لما يقع العلم به من الأخبار عدد معلوم من المخبرين عندنا ، إلا أنا قد تيقنا : أن القليل لا يقع العلم بخبرهم ، ويقع بخبر الكثير ، إذا جاءوا متفرقين ، لا يجوز عليهم التواطؤ في مجرى العادة ، وليس يمتنع أن يقع العلم في بعض الأحوال بخبر جماعة ، ولا يقع بخبر مثلهم في حال أخرى ، حتى يكونوا أكثر ، على حسب ما يصادف خبرهم من الأحوال ، وقد علمنا يقينا : أنه لا يقع العلم بخبر الواحد والاثنين ونحوهما ، إذا لم تقم الدلالة على صدقهم من غير جهة خبرهم ، لأنا لما امتحنا أحوال الناس لم نر العدد القليل يوجب خبرهم العلم ، والكثير يوجبه ، إذا كانوا بالوصف الذي ذكرنا ، وما كان من الأمور محمولا على العادة ، فلا سبيل إلى تحديده ، وإيجاب الفصل بينه وبين ما عداه بأقل القليل . وأما من قال : إن خبر الواحد يوجب علم الاضطرار ، فإنه لا يخلو من أن يقول : إنه يوجب العلم لسامعه ، إذا كان المخبر عنه باضطرار ، من غير معنى يقارنه ، ولا يوجبه إلا إذا قارنته أسباب توجب العلم بصحة خبره . فإن كان خبر الواحد يوجب العلم بنفسه إذا كان المخبر قد علم ما أخبر عنه باضطرار ، فوجب أن يعلم كل سامع صدق كل من أخبر عن شئ شاهده من كذبه ، وأنه يحكم بأن غيره كاذب ، إذا لم يقع له العلم الضروري بصحة ما أخبر به ، وكان يجب أن يعلم صدق المدعي والمدعى عليه ، فمتى وقع لنا العلم الضروري بصحة دعواه حكمنا بها ، وإذا لم يقع لنا العلم الضروري لما ادعاه حكمنا ببطلان قوله ، فلا يحتاج المدعي إلى بينة ، ولا يحتاج المدعى عليه إلى اليمين ، وواجب أن يعلم كذب الزوج أو صدقه إذا قذف امرأته ، فإذا لم يقع لنا علم الاضطرار بصدقه حكمنا بكذبه وحددناه ، ولا نوجب بينهما لعانا ، وقد حكم الله بصحة اللعان بينهما ، ولو كان العلم كافيا لنا ( 1 ) بقول أحدهما ما جاز أن يستحلف الآخر على صدقه ، مع وقوع العلم بكذبه ، لأنه غير جائز أن يتعبدنا الله بأن يأمرنا ( 2 ) بالإخبار بالكذب والحلف عليه ، مع علمنا بأنه كذب ، وهذا شئ قد علم بطلانه . وأوجب أيضا : أن لا تعتبر عدالة الشهود إذا شهدوا على رجل بحق وأن الحكم بشهادتهم يكون موقوفا على ما يقع للحاكم من العلم الضروري بصحة خبرهم ، فإن وقع